القائمة الرئيسية
الأقسام الرئيسية
احصائيات

  • عدد المقالات: 406
  • الأقسام الرئيسية: 14
  • المتواجدون الأن

    يتصفح الموقع حاليا 5 زائر

    أكبر تواجد كان 21 في :
    02-Aug-2014 الساعة : 00:31

    البحث


    المقالات    مقالات الحديث وعلومه    إمتاع ذوي القُرُب بِفَهْمِ حَديثِ أخرجوا المشركين من جزيرة العرب

    إمتاع ذوي القُرُب بِفَهْمِ حَديثِ أخرجوا المشركين من جزيرة العرب

    09-12-2012
    إمتاع ذوي القُرُب بِفَهْمِ حَديثِ
    أخرجوا المشركين من جزيرة العرب
     
    الشيخ الدكتور/ عبدالله بن عبدالرحيم البخاري
     
     
    بسم الله الرَّحمن الرَّحيم
     
    الحمد لله رب العالمين والصَّلاة والسلام على نبينا محمَّدٍ وآله وصحبه أجمعين، وبعد:
     
    فهذا هو المكتوب الثالث في سلسلة الذَّب عن سنَّة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلَّم، و هو يتعلَّق بردِّ شبهةٍ تُثار عَلَى فَهْمِ بَعْضِ أَحَاديث رَسُولِ الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم، والَّذي دفعني إِلَى الكتَابَةِ فِي هَذا الْمَوضُوعِ، مَا رأيتهُ مِنْ تَشْغيبٍ لِبَعْضِ النَّاسِ حَولَ هَذهِ الأحَاديث؛ و لهم في ذلك مآربُ مُخْتَلفة؛ فَمِنْهُم الْمُضَلِّلُ الدَّاعي إلى ضَلاَلِهِ لِيَسْتَحِلَّ بِذَلِكَ السَّيْف! وَمِنْهُم مَنْ هُو بُوقٌ لأُولِئَكَ، وَمِنْهُم مَن اشْتَبَهَ عَلَيْهِ الْحَقّ بِالبَاطِلِ فَصَار يُرَدِّدُ البَاطلَ مِنْ غَير تَمْييزٍ وَ لاَ فُرْقَان! وَ مِنْ أهْلِ الْحَقِّ مَنْ ضَعُفَ أمَامَ هَذا التَّشْغيبَ فَلَمْ يَسْتَطِعْ جَوابَاً؛ إمَّا لِقِلَّة حِيْلَتِهِ أَوْ لِضَعْفِ تَحْصيلهِ أو لِغْفَلةٍ أصابتهُ أو نحو ذلك.
     
    وَ المتأملُ في السَّاحةِ اليومَ يَجدُ أنَّ مِنْ أَشَدِّ الفِتَنِ فِي هَذا العَصْرِ فِتْنَة الْخَوارج المارقين؛ فَقَد ذَرَّ قَرنهم وَكَثُرتْ أَبْواقُهم وَ ازْدَادَ شَرُّهم؛ فَبَثُّوا شُبَههم عَلَى النَّاسِ، وَ لبَّسوا عَلَيْهم دِيْنَهم، فقَلَبُوا الحقَّ بَاطلاً، والبَاطِل حَقَّاً، وتَمَسَّكُوا بِالْمُتَشابه وَ تَركُوا الْمُحْكَمَ؛ فَضَلُّوا و أَضَلُّوا !! ثُمَّ الويل والثُّبور لِمَنْ خَالفَ؛ فَالسَّيف مَوعِدُهُ!!.
     
    وَ لئنْ كَان الأمر كَذلك، فَلا تعجبْ لِلضَّعف الَّذي تراهُ يَسري في جَسدِ الأمة، والَّذي تسَبَّب- عكساً- في تَقْويةِ أَهْلِ البِدَعِ وَ مِنْهُمُ الْخَوارج؛ فَإنَّ لِذَلِكَ عدَّة أَسْباب، مِنْ أَهَمِّهَا:
     
    قلَّة العلم السُّنِّي السَّلفي وظهور الجهل؛ فإنَّ قلَّة العلم وذهاب حملته نذير شرٍّ على الأمة، فقد أخرج البخاري في (صحيحه) (كتاب العلم/ باب رفع العلم وظهور الجهل) (1 / رقم 80 / 187-فتح) ومسلم في (صحيحه) (كتاب العلم/ باب رفع العلم وقبضه وظهور الجهل والفتن في آخر الزمان) (4 / رقم 2671(8) / 2056) كلاهما من طريق عبدالوارث ثنا أبو التياح عن أنسٍ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنَّ من أشراط السَّاعة أن يُرفع العلم، ويثبت الجهل، ويشرب الخمر، ويظهر الزنا).
     
    وأخرج الشيخان أيضاً في صحيحهما من حديث شعبة عن قتادة عن أنسٍ قال: لأحدثنكم حديثاً لا يحدثكم أحدٌ بعدي، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إنَّ مِنْ أشراطِ السَّاعةِ أنْ يَقلَّ العلم، ويظهر الجهل، ويظهر الزنا، وتكثر النساء، ويقل الرجال حتى يكون لخمسين امرأةً القيم الواحدُ).
     
    هذا لفظ البخاري (1 / رقم 81 / 187-فتح )، وهو عند مسلم (4 /  رقم 2671(9) /  2056) وفيه (أن يرفع العلم) بدل (أن يقل).
     
    والشَّاهدُ مِنْ حديث أنس قوله صلى الله عليه وآله وسلم (إنَّ مِنْ أشراط السَّاعة: أنْ يُرْفَع العِلم و يظهر الجهل) فذكر أنَّ ذَلِكَ مِنْ أوائلِ عَلاماتها!! فيرفع العلم ويظهر نقيضه وهو الجهلُ، وقد بيَّن صلَّى الله عليه و آله وسلَّم كيفية رفع العلم في حديث عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه المتَّفق عليه حيث قالَ: (إنَّ الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد، ولكن يَقْبِضُ العِلَمَ بِقَبضِ العُلماء، حتى إذا لم يبق عالماً اتخذ النَّاس رُؤساً جُهَّالاً فسُئلوا فأفتوا بغير علم فضلُّوا وأضلُّوا) لفظ البخاري.
     
    قال العلاَّمة القرطبي في (المفهم) (6 / 705): "فهذا نصٌّ في أنَّ رفع العلم لا يكون بمحوه من الصَّدور بل بموت العلماء وبقاء الجهَّال الذين يتعاطون مناصب العلماء في الفتيا والتعليم، يفتون بالجهل، ويُعلِّمونه، فينتشر الجهل ويظهر".
     
    وقال الحافظ ابن حجر في (الفتح) (1 / 179) شارحاً قوله صلى الله عليه وآله وسلم في حديث أنس (أن يرفع العلم) قال: "المراد برفعه موت حملته".
     
    ومِنَ المسَلَّم به أنَّه إذا رُفع العلمُ رُفعَ العمل به! إذْ كَيْفَ تَعْمَلُ النَّاس بالعِلْمِ الصَّحيح وقد رُفِعَ أهْلُه، وظَهَر الجهل وأهله؟! لذا قَال العلامة القرطبي: "فإنَّه إذا ذهبَ العلمُ بموت العلماء، خلفهم الجهَّال، فأفتوا بالجهل، فعُملَ به، فذهب العلمُ والعمل..".
     
    وقد أخرج الدارمي في (سننه) (رقم 247 / 95) بسند صحيح عن هلال بن خباب قال: سألت سعيد بن جبير، قلت: ما علامة هلاك الناس؟ قال: إذا هلك علماؤهم).
    و لا تعارض بين روايتي حديث أنس (أن يرفع) و(أن يقل)، فإنَّ أهل العلم قد وفَّقوا بينهما، قال الحافظ ابن حجر في (الفتح) (1 / 179): "فيحتمل أن يكون المراد بقلتهِ أولُّ العلامة، وبرفعه آخرها، أو أُطلقت القلَّة و أُريد بها العدم، كما يطلق العدم ويراد به القلَّة، وهذا أليق لاتحاد المخرج".
     
    ومن النُّكات العلمية المهمَّة الَّتي لفتَ إليها الحافظ ابن حجر رحمه الله في حديث أنسٍ من رواية شعبة عن قتادة، قوله: "وكأنَّ هذه الأمور الخمسة خُصَّت بالذِّكر لكونها مشعرةٌ باختلال الأمور التي يحصل بحفظها صلاح المعاش والمعاد، وهي الدينُ؛ لأنَّ رفع العلم يخلُّ به، والعقل؛ لأنَّ شرب الخمر يخلُّ به، والنسب؛ لأنَّ الزنا يخلُّ به، والنفس والمال؛ لأنَّ كثرة الفتن تخلُّ بهما".
     
    قال العلاَّمة الشاطبي رحمه الله في (الاعتصام) (2 / 11-12) مبيِّناً طرق الراسخين في العلم حتى نسلكها، و محذِّراً من طرق أهل الزيغ كي نتجنبها، و ذكر أدلة في المقام منها حديث ابن مسعود رضي الله عنه (خطَّ لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً خطاً..) الحديث، ثم قال: "ففي الحديث أنها خطوط متعددة غير محصورة بعددٍ، فلم يكن لنا سبيل حصر عددها من جهة النقل، و لا لنا أيضاً سبيل إلى حصرها من جهة العقل أو الاستقراء. أما العقل؛ فإنه لا يقضى بعدد دون آخر؛ لأنَّه غير راجع إلى أمر محصور، ألا ترى أن الزيغ راجعٌ إلى الجهالات! ووجوه الجهل لا تنحصرُ... وأما الاستقراء فغير نافع أيضاً في هذا المطلب؛ لأنَّا لما نظرنا في طرق البدع من حين نبغت وجدناها تزداد على الأيام، و لا يأتي زمانٌ إلا وغريبةٌ من غرائب الاستنباط تحدث، إلى زماننا هذا، وإذا كان كذلك، فيمكن أن يحدث بعد زماننا استدلالاتٌ أُخر لا عهد لنا بها فيما تقدَّم، لا سيما عند كثرة الجهل، وقلَّة العلم، وبُعد النَّاظرين فيه عن درجة الاجتهاد..".
     
    فها أنت ترى أنَّه رحمه الله أرجعَ الأمر في كَثْرة البدعِ إِلَى قِلَّةِ العِلْمِ وَكَثْرة الجهل، وصدَقَ رَحمه الله، فما زلنا نرى استدلالات لا عهد لهم ولا لأهل العلم قبلهم بها! كما هو حال الخوارج ومَن لفَّ لفهم من أفراخهم وإن تسموا بأسماء برَّاقة خدَّاعة، فالحقيقة واحدة!
     
    ومن جميل ما نقله العلامة الشاطبي رحمه الله عن بعض أهل العلم قوله عقب ذِكْرِهِ حَديثَ عبدالله بن عمرو المتِّقدمِ ذِكْرُهُ في (رفعِ العِلم) قال: "قال بعض العلماء: تدبَّروا هذا الحديث؛ فإنَّه يدلُّ على أنَّه لا يؤتى الناس قطُّ من قبل علمائهم، وإنما يؤتون من قبل أنَّه إذا مات علماؤهم أفتى مَن ليس بعالمٍ، فيؤتى الناس من قبله، وقد صُرِّف هذا المعنى تصريفاً، فقيل: ما خان أمينٌ قطُّ، ولكنه ائتمن غير أمين فخان، فقال: ونحنُ نقولُ: ما ابتدعَ عالِمٌ قطُّ، ولكنَّه استُفتي مَنْ ليس بعالمٍ، فضلَّ وأضلَّ" (الاعتصام) (3 / 129-ط مشهور).
     
    فبتحصيل العلم السُّني الصَّافي ونشره بين الناس والصَّدع به، تنحسرُ- بإذن البدع- وتنكسر شوكة أهلها؛ فما علا سيفُ السُّنَّة والعلم رؤوس أهل البدع إلا و قطعها!! والتأريخ خير شاهدٍ، فانظر إن شئت إلى مناظرة ابن عباس رضي الله عنهما للخوارج الحرورية حيث أتاهم في معسكرهم وناظرهم وحده!! وليس معه إلا سيف العلم، وتوفيق الله سابق له، فعلا تلك الرؤوس وقطع شبهها ودحض باطلها حتى رجع من القوم نحواً من الثلث.
     
    وهذا الإمام أحمد بن حنبل قد سجن وجلد وعذب على أن يقول مقولة الكفر فأبى رضي الله عنه، وجابه ذلك كله بسيف العلم والسُّنَّة، فأنحسر الباطل وأهله بمنَّة الله وكرمه، ثم بثباته رضي الله عنه على الحقِّ.
     
    وهكذا الحال فيمن نظر إلى أحوال المصلحين المجدِّدين لهذه الأمة أمر دينها حتى في هذه الأزمان المتأخرة، فقد جمعوا بين سلاح التوكل على الله و الاستعانة به، وسلاح العلم الصَّحيح، فأظهرهم الله وخلَّد ذكرهم ونصر بهم دينه.
     
    ولعل في هذا القدر كفاية في بيانٍ سبب من أعظم أسباب ظهور البدع، وإن كانت هناك أسبابٌ أخرى لعلي أتعرض لها في مقام آخر.
     
    وعودٌ على بدء؛ فأقول: إنَّ من الأحاديث التي شغَّبَ بَها أهل الأهواء وفسَّروها على أهوائهم، الأحاديث الآمرة بإخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب، فجاءوا بما يدلُّ على انحراف فهمهم و جهلهم الفاضح! حيث عدُّوا ذلك من المكفِّرات التي يُبررون بها أعمالهم الإجرامية في هتك الحقوق والممتلكات والاعتداء على المعصومين! بل ذهبوا إلى أبعد من ذلك ففهموا من (الأمر بإخراجهم) أَسْرهم بَل وَ قتلهم!!
     
    و لازلت أذكر ظهور أحد رؤوس الفتنة وقد خرج في شريط كمبيوتر مُسجل أراني إياه بعض طلبتي، وهو يَصْرُخُ وَ يُهدِّدُ بأنه سَيُحَاربُ المنافقين! و سَيُطَبِّقُ – زَعَم- وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم في إخراج المشركين من جزيرة العرب!! و قد جعل خلفه لوحة كبيرة كُتب عليها حديث (أخرجوا المشركين من جزيرة العرب)!!.
     
    وعلى أية حالٍ فإنني رغبت في كشف الأمر وتجليته ذبَّاً عن سنَّة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ودفاعاً عَنْ هَذا العِلْم الشَّريف مِنْ تَلويثِ هَؤلاء الجهلاء الدُّخلاء!.
     
    والطريقة التي اتبعتها في هذه الكتابة المختصرة هي:
     
    أ/ أذكر بعض الأحاديث الواردة في الباب، وهي تكفي في الدلالة على المراد.
     
    ب/ أُتبع ذلك بنقولات عن بعض أهل العلم في هذا المقام، تظهر جلياً الحقَّ للمنصف الراغب في معرفته، وسمتيه (إمتاع ذوي القُرُب بِفَهْمِ حَديثِ أخرجوا المشركين من جزيرة العرب)، وما توفيقي إلا بالله.
     
    فأقول مستعيناً بالله:
     
    الحديث الأول: عن ابن عباس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوصاهم قبل موته بثلاثٍ، قال: (أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم) وسكت عن الثالثة، أو قال نسيتها.
    أخرجه البخاري في (كتاب الجهاد/ باب جوائز الوفد و باب هو يستشفع إلى أهل الذمة؟ ومعاملتهم) و (كتاب الجزية والموادعة/ باب إخراج اليهود من جزيرة العرب) و (كتاب المغازي/ باب مرض النبي صلى الله عليه وسلم ووفاته) (6 /  رقم 3053 / 170-فتح) و(6 /  رقم 3168 / 270-فتح) و(8 /  رقم 4431 / 132-فتح) ومسلم في (كتاب الوصية/ باب ترك الوصية لمن ليس لَه شيءٌ يوصي فيه) (3 / رقم 20(1637) / 1257) و أبو داود في (كتاب الخراج والإمارة والفيء) (3 / رقم 3029 / 423) كلهم من طريق سليمان الأحول عن سعيد بن جبير به.
    جاء عند أبي داود عقبه: "قال سليمان: لا أدري أذكر سعيد الثالثة فنسيتها أو سكت عنها".
    فائدة: قال العلامة الإمام الألباني رحمه الله عقب حديث ابن عباس: "فيه دلالة على جواز إطلاق لفظة (المشرك) على أهل الكتاب؛ فإنهم هم المعنيون بهذا الحديث، كما يدل عليه الحديث السابق، ومثله الحديث الآتي" (الصحيحة) (رقم 1133).
     
     
    الحديث الثاني: عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم: (لأخرجنَّ اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتى لا أدع إلا مسلماً).
    أخرجه مسلم (كتاب الجهاد والسير/ باب إخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب) (3 /  رقم 63(1767) /  1388) و أبو داود في (كتاب الخراج و الإمارة والفيء) (3 / رقم 3030 / 424) و الترمذي في (الجامع) (كتاب السير/ باب إخراج العرب اليهود من جزيرة العرب) (4 / رقم 1607 / 156) من طرقٍ عن ابن جريج قال أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبدالله يقول: أخبر عمر بن الخطاب أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول..فذكره.
    الحديث سكت عنه أبو داود، وقال الترمذي: "حسنٌ صحيحٌ".
    و أخرجه أبو داود في (الكتاب والباب السابقين) (3 / رقم 3031 / 425) والترمذي كذلك (4 / رقم 1606 / 156) والنسائي في (الكبرى) (كتاب السير/ إجلاء أهل الكتاب) (8 /  رقم 8633 / 58) من طريق سفيان- وهو الثوري- عن أبي الزبير عن جابر به.
    ولم يذكر أبو داود لفظه وإنما قال: "بمعناهُ، والأول أتم".
    وأما لفظ الترمذي ففيه: "لئن عشتُ إن شاء الله لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب"، وأمَّا لفظ النسائي فهو بمثل لفظ ابن جريج الأول، وفيه لفظة (حتى لا يبقى) بدل (حتى لا أدع) والمعنى واحدٌ.
     
     
    الحديث الثالث: عن ابن عمر رضي الله عنه: أنَّ يهود بني النضير و قريظة حاربوا رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فأجلى رسول الله بني النضير، وأقرَّ بني قريظة ومنَّ عليهم، حتى حاربت قريظة بعد ذلك، فقتل رجالهم وقسم نساءهم و أولادهم و أموالهم بين المسلمين، إلا أنَّ بعضهم لحقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم فآمنهم و أسلموا، وأجلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يهود المدينة كلهم؛ بني قينقاع –وهم قوم عبدالله بن سلام-، ويهود بني حارثة، وكل يهوديٍّ كان بالمدينة).
    أخرجه مسلم في (كتاب الجهاد والسير/ باب إجلاء اليهود من الحجاز) (3 / رقم 62(1766) /  1387).
     
     
    الحديث الرابع: عن أبي عبيدة بن الجرَّاح رضي الله عنه قال: آخرُ ما تكلَّم به النبيُّ صلى الله عليه وسلم: (أخرجوا يهودَ أهل الحجاز، و أهل نجران من جزيرة العرب، و اعلموا أن شرار الناس الذين اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد).
    أخرجه الإمام أحمد في (المسند) (3 /  رقم 1691 / 221) والبخاري في (التاريخ الكبير) (4 / 57) و الدارمي في (السنن) (2 / 233) و أبو يعلى الموصلي في (المسند) (2 / رقم 872 / 177) والبيهقي في (الكبرى) (9 / 208) من طرقٍ عن يحيى بن سعيد عن إبراهيم ابن ميمون ثنا سعد بن سمرة بن جندب عن أبيه به.
    وإسناده صحيحٌ، وصححه الإمام ابن عبدالبر في (التمهيد) (1 / 169) و العلامة الألباني في (الصحيحة) (رقم 1132).
     
     
    التعليق:
     
    دلَّت هَذهِ الأَحَادِيْثُ - وما جَاءَ فِي مَعْنَاها- فِي ظَاهِرِهَا عَلَى وجُوب إِخْراجِ اليَهُودِ وَ النَّصَارى أو المشْرِكِيْنَ مِنْ جَزِيْرَةِ العَرَبِ؛ لَكَنْ تَبْقَى عِدَّة أُمُورٍ لاَ بُدَّ مِنْ مَعْرِفَتِهَا كَيْ يَنْجَلي مَعْنَى هَذهِ الأَحَاديث، مِنْ ذَلك:
     
    1/ مَا الْمُرادُ بِجَزيْرَةِ العَرَبِ؟ هَلْ هِيَ كُلُّ مَا يُطْلَقُ عَليهِ مُسَمَّى جَزِيرة العَربِ؟ أَمْ هُو عَامٌ مَخْصُوصٌ؟.
     
    2/ هَلْ سَلِمَتْ هَذهِ الأَحَادِيْث مِنْ مُعَارضٍ لَهَا مِنْ أَحَادِيْثِ رَسُولِ الله صَلَّىَ الله عَليْهِ وَسَلَّمَ؟.
     
    3/ هَل الإِذْنُ بِدُخُولِهم هُو لِكُلِّ أَحَدٍ أَمْ هُو مُخْتَصٌّ بِالإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ؟ وَ عَلَيْهِ فَهل يُخْرِجُهم كل أحدٍ أَمْ هو للوالي؟.
     
    4/ هَل هُناكَ مَعْنَىً آخَر لِلإخْرَاجِ سِوَى الإِبْعَادِ وعدمِ الاسْتِيْطَان!؟ أَيْ هَلْ مِنْ مَعَانِي الإِخْرَاجِ الْمُرَادِ فِي هذهِ الأَحَاديث هُو قَتْلهم وَ ذَبْحهم!؟.
     
    5/ لِمَاذَا أَجْلَى عُمُر رَضِي الله عنْهُ يَهُودَ خَيْبَر؟
     
    6/ وَ هَل الْمَنْع الوَاردِ فِي الأَحَادِيْثِ يَشْمَلُ مُرُورَهُم عَلَيْهَا أَيْضَاً أَمْ لاَ يَشْمَلُهُ؟.
     
    7/ هَلْ يَدْخُل فِي الْمَنْعِ البَحْر أيضَاً أَمْ هَذَا خَاصٌّ بِالبرِّ؟.
     
    8/ مَا العَمَلُ فِيْمَا إِذَا كَانُوا تُجَّارَاً يَمُرُّونَ بِتِجَارَاتِهم عَلَى الْحِجَازِ؟.
     
    كل هذا وغيره مما قد يرد حول هذه الأحاديث تجدُ إجابته فيما أنقله لك عن بعض أهل العلم، في هذا المقام، فمن ذلك:
     
    1/ ذكر الإمام البخاري في (الجامع الصحيح) (كتاب الجهاد/ باب جوائز الوفد) (6 / ص170-فتح) عقب حديث ابن عباس المتقدم: "قال يعقوب بن محمد: سألت المغيرة ابن عبدالرحمن عن جزيرة العرب؟ فقال: مكة والمدينة واليمامة واليمن".
    و أسند أبو داود في (السنن) (كتاب الخراج) (باب في إخراج اليهود من جزيرة العرب) (3 / رقم 3033 / 425) عن سعيد بن عبدالعزيز أنَّه قال: "جزيرة العرب: ما بين الوادي إلى أقصى اليمن إلى تُخوم العراق إلى البحر".
    وقال أبو داود-عقبه- قرئ على الحارث بن مسكين و أنا شاهدٌ: أخبرك أشهب بن عبدالعزيز قال: قال مالك: عمرُ أجلى أهل نجران ولم يُجلوا من تيماء؛ لأنها ليست من بلاد العرب، فأما الوادي فإني أرى إنما لم يُجل من فيها من اليهود أنهم لم يروها من أرض العرب".
    وبوَّب الإمام الحافظ أبو محمد البغوي (ت516هـ) في (شرح السنة) (11 / 180) لحديث ابن عباس (باب إخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب) ثم قال: "قال يعقوب ابن محمد..-ثم نقل قوله المتقدم وقول سعيد بن عبدالعزيز السابق، وزاد- و قال أبو عبيد: جزيرة العرب: ما بين حفر أبي موسى إلى أقصى اليمن في الطول، وأما العرض فما بين رمل بيرين إلى منقطع السماوة..- ونقل قول مالك السابق أيضاً".
    وذكر الإمام أبو عمر بن عبدالبر (ت463هـ) في (التمهيد) (1 / 169-173) رواية عمر وإجلاءه يهود خيبر إلى تيماء وأريحاء، وأسند حديث أبي عبيدة المتقدم و صححه، ثم ذكر قول مالك و أبي عبيد المتقدم.
     
    2/ قال الإمام الحافظ أبو جعفر الطحاوي (ت321هـ) في (مشكل الآثار) (5 / 669): "فتأملنا هذا الحديث، فاحتجنا إلى العلم بجزيرة العرب ما هي؟ فوجدنا محمد بن الحسن فيما قاله لنا محمد بن العباس الرازي- ثم أسنده إلى محمد بن الحسن- أنَّه قال: فأما أرض العرب يعنى التي لا يترك فيها اليهود والنصارى يقيمون فيها إلا مقدار ما يقضون حوائجهم من بيع تجاراتهم التي قدموا بها فمثل مكة والمدينة والطائف والربذة، ووادى القُرى،هذا كلُّه من أرض العرب.
    ثم نقل قول أبي عبيد المتقدم ونحوه قول الأصمعي وغيرهما، ثم أسند إجلاء النبي صلى الله عليه وسلم لبعض اليهود- وهو حديث ابن عمر المتقدم- ثم بين سبب الإجلاء من خيبر؛ بأن النبي صلى الله عليه وسلم صالحهم على شطر ما يخرج منها ، فلما كانوا زمن عمر بن الخطاب غالوا في المسلمين و غشوهم، ورموا ابن عمر من فوق بيت، ففدعوا يديه، فقال عمر: من كان له سهم من خيبر فليخرص حتى نقسمها بينهم...فهذا الذي روي مما تناهى إلينا في السبب الذي به أجلى عمر من أجلى من يهود خيبر".
     
    3/ قال العلاَّمة الفقيه يحيى بن أبي الخير العمراني الشافعي (ت558هـ) في كتابه (البيان) وهو شرح لكتاب (المهذب) للشيرازي (12 / 289) (كتاب السير/ باب صفة عقد الذمة): "و لا يجوز لأحدٍ من الكفار الإقامة في الحجاز، و لا يجوز للإمام أن يصالحهم على ذلك؛ فإن فعل..كان الصلحُ فاسداً، لما روى ابن عباس..-فذكر حديثه المتقدم- و روى عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لأخرجن اليهود من جزيرة العرب)، وروت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يجتمع دينان في جزيرة العرب).
    والمراد بجزيرة العرب في هذه الأخبار: الحجازُ، وهي: مكة والمدينة واليمامة ومخالفيها -ثم ذكر سبب التسمية بذلك، وقال- والحجاز بعض جزيرة العرب؛ فإن جزيرة العرب في قول الأصمعي..- ثم نقل بعض الأقوال المتقدمة في ذلك ثم قال- والدليل على أن المراد بهذه الأخبار الحجاز لا غير: ما روى أبو عبيدة بن الجراح: إن آخر ما تكلم به النبي صلى الله عليه وسلم أن قال: (أخرجوا اليهود من الحجاز، وأهل نجران من جزيرة العرب) لـ (أنَّه صالحهم على ترك الربا، فنقضوا العهد)، وروي أن عمر رضي الله عنه أجلى أهل الذمة من الحجاز فلحق بعضهم بالشام، وبعضهم بالكوفة)، وأجلى أبو بكر رضي الله عنه قوماً من اليهود من الحجاز، فلحقوا بخيبر، وأجلى عمر رضي الله عنه قوماً فلحقوا بخيبر أيضاً، وأُقروا فيها، وهي من جزيرة العرب.
    وما روي أنَّ أحداً من الخلفاء الراشدين أجلى مَن في اليمن من أهل الذمة و إن كانت من جزيرة العرب، فدل على ما ذكرناه، وروي أيضا أن نصارى نجران أتوا علياً رضي الله عنه فقالوا له: إن الكتاب بيدك والشفاعة على لسانك، وإن عمر أخرجنا من أرضنا، فرُدَّنا إليها، فقال علي رضي الله عنه: إن عمر كان رشيداً في فعله، وإن لا أُغيِّرُ شيئاً فعله عمر. ونجران ليست من الحجاز، وإنما لنقضهم الصُّلح الذي صالحهم النبي صلى الله عليه و سلم على ترك الربا.
    فإن دخل داخلٌ منهم الحجاز بغير إذن الإمام، أخرجه وعزره إن كان عالماً أن دخوله لا يجوز، و إن استأذن الإمام بعضهم في الدخول، نظر الإمام: فإن كان في دخوله مصلحة للمسلمين، إمَّا لأداء رسالةٍ أو عقد ذمَّة أو هدنةٍ أو حمل ميرةٍ، أو متاع فيه منفعة للمسلمين، جاز له أن يأذن له في الدخول؛ لقول تعالى{و إن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه}، فأجاز: أن يُسمع المسلمون المشركَ القرآن، وذلك يتضمن الدخول...
    ولا يجوز لمن دخل منه الحجاز بإذن الإمام أن يُقيم في موضعٍ أكثر من ثلاثة أيام، لما روى أن عمر رضي الله عنه أجلى اليهود والنصارى من الحجاز، وأذن لمن دخل منهم تاجراً أن يقيم ثلاثاً) و لأنه لا يصير مقيماً بالثلاث، ويصير مقيماً بما زاد. فإن أقام في موضع ثلاثة أيام ثم انتقل منه إلى موضع و أقام فيه ثلاثة أيام، ثم كذلك يقيم في كل موضعٍ ثلاثاً فما دون؛ جازَ؛ لأنه لم يصر مقيماً في موضعٍ.
    فإن كان له دين في موضع و لم يمكنه أن يقبضه في ثلاثٍ، لم يُمكَّن من الإقامة أكثر من ثلاث، بل يوكِّل من يقبضه له.
    و إن دخل الحجاز بإذن الإمام ومرضَ جازَ لَه أن يقيم في موضعٍ حتى يبرأ، وإن زادت إقامته على ثلاثٍ؛ لأن المريض يشق عليه الانتقال...
    فرعٌ: قال الشافعي رحمه الله تعالى (و لا يُمنعُ أهل الذمة من ركوب بحر الحجاز و الاجتياز فيه؛ لأنَّه لا حُرمةَ للبحار، ولهذا لم يُبعث أحدٌ من الأنبياء صلوات الله عليهم إلى البحار، ويمنعون من الإقامة في سواحل بحر الحجاز وجزائره؛ لأنَّ لها حرمة أرض الحجاز)".
     
    4/ قال العلامة الحافظ النووي (ت676هـ) في (شرح مسلم) (10 / 212) عند شرحه لحديث عمر وقول النبي صلى الله عليه وسلم ليهود خيبر: "نقركم بها على ذلك ما شئنا، فقروا بها حتى أجلاهم عمر إلى تيماء و أريحاء- قال- في هذا دليلٌ على أن مراد النبي صلى الله عليه وسلم بإخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب إخراجهم من بعضها، وهو الحجاز خاصَّة؛ لأن تيماء من جزيرة العرب لكنها ليست من الحجاز، والله أ علم".
     
    5/ ونقل أيضاً في (شرحه لمسلم) (11 / 93) الأقوال التي حكاها البغوي وقال: "و حكى الهروي عن مالك: أن جزيرة العرب هي: المدينة، والصَّحيح المعروف عن مالك أنها: مكة والمدينة و اليمامة واليمن، و أخذ بهذا الحديث مالك والشافعي وغيرهما من العلماء، فأوجبوا إخراج الكفار من جزيرة العرب، وقالوا: لا يجوز تمكينهم من سكناها، ولكن الشافعي خصَّ هذا الحكم ببعض الجزيرة وهو الحجاز، وهو عنده مكة والمدينة واليمامة و أعمالها دون اليمن وغيره مما هو من جزيرة العرب، بدليل آخر مشهور في كتبه وكتب أصحابه.
    قال العلماء: لا يمنع الكفار من التردد مسافرين في الحجاز، ولا يمكنون من الإقامة فيه أكثر من ثلاثة أيام.
    قال الشافعي وموافقوه: إلا مكة وحرمها، فلا يجوز تمكين كافر من دخوله بحال، فإن دخله في خفية وجب إخراجه، فإن مات ودُفن فيه نبش وأخرج ما لم يتغير، هذا مذهب الشافعي وجماهير الفقهاء.
    وجوَّز أبو حنيفة دخولهم الحرم، وحجة الجماهير قول الله تعالى(إنما المشركون نجس..) الآية".
     
    6/ وقال أيضاً في (شرحه لمسلم) (12 / 91) عند شرحه لإجلاء يهود بني النظير و قريظة (حديث ابن عمر) قال: "فيه أن المعاهد و الذمي إذا نقض العهد صار حربياً، و جرت عليه أحكام أهل الحرب، وللإمام سبي من أراد منهم، وله المن على من أراد.
    وفيه أنه إذا منَّ عليه ثم ظهرت منه محاربة انتقض عهده، وإنما ينفع فيما مضى لا فيما يستبقل، وكانت قريظة في أمان ثم حاربوا النبي ونقضوا العهد وظاهروا قريشاً على قتال النبي صلى الله عليه وسلم".
     
    7/ وقال أيضاً في (المنهاج) وهو في فقه الشافعية (9 / 397- مع شرحه النجم الوهاج): "ويُمنعُ كلُّ كافرٍ من استيطان الحجاز، وهي مكة و المدينة واليمامة وقراها. وقيل: له الإقامة في طرقه الممتدة، ولو دخل بغير إذن الإمام أخرجه وعزره إن علم أنه ممنوع، فإن استأذن أذنَ له إن كان مصلحة للمسلمين كرسالة و حمل ما يحتاج إليه، فإن كان لتجارة ليس فيها كبير حاجة لم يأذن له إلا بشرط أخذ شيء منها، ولا يقيم إلا ثلاثة أيام، ويمنع من دخول حرم مكة، فإن كان رسولا خرج إليه الإمام أو نائبه يسمعه..".
     
    8/ قال الإمام ابن قدامة (ت620هـ) في (المغني) (13 / 242- ط التركي): "فصل: و لا يجوز لأحدٍ منهم سُكنى الحجاز، وبهذا قال مالكٌ و الشافعي؛ إلاَّ أنَّ مالكاً قال: أرى أن يُجلوا من أرض العرب كلِّها؛ لأنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا يجتمع دينان في جزيرة العرب)، وروى أبو داود بإسناده عن عمر أنه سمع رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول: (لأخرجن اليهود و النصارى من جزيرة العرب فلا أترك فيها إلا مسلماً) قال الترمذي: حديث حسنٌ صحيح، وعن ابن عباس قال: أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم بثلاثة أشياء: قال: (أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم) وسكت عن الثالثة، رواه أبو داود.
    وجزيرة العرب ما بين الوادي إلى أقصى اليمن قاله سعيد بن عبدالعزيز..- ثم نقل أقوالاً بنحو مما تقدَّم في تحديدها وسبب تسميتها، ومما نقله قول- أحمد: جزيرة العرب المدينة وما والاها، يعني أنَّ الممنوع من سُكنى الكفار به المدينة و ما والاها، وهو مكة و اليمامة وخيبر وينبع وفدك ومخالفيها وما والاها، وهذا قول الشافعي؛ لأنهم لم يُجْلوا من تيماء ولا من اليمن، وقد روى أبو عبيدة بن الجراح أنه قال: إن آخر ما تكلم به النبي صلى الله عليه وسلم أن قال: (أخرجوا اليهود من الحجاز)، فأما إخراج أهل نجران منه؛ فلأن النبي صلى الله عليه و سلم صالحهم على ترك الربا، فنقضوا عهده، فكأن جزيرة العرب في تلك الأحاديث أُريدَ بها الحجازُ، وإنَّما سُمِّي حجازاً لأنه حجز بين تهامة ونجد، و لا يمنعون من أطراف الحجاز، كتيماء وفيد ونحوهما، لأن عمر لم يمنعهم من ذلك.
    فصل: ويجوز لهم دخول الحجاز للتجارة؛ لأنَّ النصارى كانوا يتجرون إلى المدينة في زمن عمر رضي الله عنه، وأتاه شيخٌ بالمدينة فقال: أنا الشيخ النصراني، وإنَّ عاملك عَشَرني مرتين، فقال عمر: و أنا الشيخ الحنيف، وكتب لَه عمر: أن لا يُعشروا في السَّنة إلا مرَّة.
    ولا يأذن لهم في الإقامة أكثر من ثلاثة أيام على ما روي عن عمر رضي الله عنه ثم ينتقل عنه، وقال القاضي: يُقيم أربعة أيامٍ حدَّ ما يُتمُّ المسافر الصلاة.
    والحكم في دخولهم إلى الحجاز في اعتبار الإذن كالحكم في دخول أهل الحرب دار الإسلام.
    وإذا مرض بالحجاز جازت لَه الإقامة؛ لأنه يشق الانتقالُ على المريض، وتجوز الإقامة لمن يمرضه؛ لأنه لا يستغني عنه.
    وإن كان له دينٌ على أحد وكان حالَّاً أُجبر غريمه على وفائه، فإن تعذر وفاؤه لمطل أو تغيب عنه فينبغي أن يمكَّن من الإقامة؛ ليستوفي دينه؛ لأنَّ التعدي من غيره و في إخراجه ذهابُ ماله..... وإن دعت الحاجة إلى الإقامة ليبيع بضاعته، احتمل أن يجوز؛ لأنَّ في تكليفه تركها أو حملها معه ضياع مالهِ، وذلك مما يمنع من الدخول بالبضائع إلى الحجاز فتفوت مصلحتهم، وتلحقهم المضرة بانقطاع الجلب عنهم، و يحتمل أن يمنع من الإقامة؛ لأن له من الإقامة بُدَّاً، فإن أراد الانتقال إلى مكان آخر من الحجاز، جاز، ويقيم فيه أيضاً ثلاثة أيام أو أربعة على الخلاف فيه، وكذلك إذا انتقل منه إلى مكان آخرٍ جاز، ولو حصلت الإقامة في الجميع شهراً، وإذا مات في الحجاز دُفن به؛ لأنه يشق نقله، وإذا جازت الإقامة للمريض، فدفن الميت أولى".
     
    9/ قال الإمام شيخ الإسلام ابن تيمية الحراني (ت 728هـ) كما في (مجموع الفتاوى) (28 / 630) وقد سئل هل المدينة من الشام؟ فأجاب: "مدينة النبي صلى الله عليه وسلم من الحجاز باتفاق أهل العلم، ولم يقل أحد من المسلمين و لا غيرهم إن المدينة النبوية من الشام، وإنما يقول هذا جاهلٌ بحدِّ الشام والحجاز، جاهل بما قاله الفقهاء و أهل اللغة و غيرهم، ولكن يقال المدينة شامية، ومكة يمانية: أي المدينة أقرب إلى الشام، ومكة أقرب إلى اليمن، وليست مكة من اليمن ولا المدينة من الشام.
    وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم في مرض موته: أن يخرج اليهود والنصارى من جزيرة العرب، وهي الحجاز؛ فأخرجهم عمر رضي الله عنه من المدينة وخيبر وينبع واليمامة ومخاليف هذه البلاد، ولم يخرجهم من الشام؛ بل لما فتح الشام أقر اليهود والنصارى بالأردن وفلسطين وغيرهما،كما أقرهم بدمشق وغيرها..".
     
    10/ قال العلامة الفقيه كمال الدين الدَّميري (ت808هـ) في (النجم الوهاج شرح المنهاج) (9 / 397-402) شارحاً كلام النووي المتقدم في (المنهاج):"..قال الجويني والقاضي حسين: الجزيرة هي الحجاز.
    والمشهور: أن الحجاز بعض الجزيرة، فلما مات النبي صلى الله عليه وسلم لم يتفرغ أبو بكر لإخراجهم، فأجلاهم عمر، وهم زهاء أربعين ألفاً، ولم ينقل أن أحداً من الخلفاء أجلاهم من اليمن مع أنها من الجزيرة، فدل على أن المراد: الحجاز فقط...
    قال (وهي مكَّة والمدينة واليمامة وقراها): كذا فسَّرها الشافعي، فالطائف مع واديها وهو وج من قرى مكة، وخيبر من قرى المدينة.
    وقال في (الوسيط) و (النهاية): إن في بعض الكتب تصحيف اليمامة بالتهامة، قال ابن الصلاح: وهو غلطٌ موشح بعجمة؛ فإن تهامة لا تدخلها الألف واللام، واليمامة تلزمها الألف واللام.
    وجزيرة العرب: من أقصى عدن إلى ريف العراق، وفي العرض من جدة وما والاها من ساحل البحر إلى أطراف الشام. ونقل الهروي عن مالك: أن الجزيرة: المدينة خاصة، والصَّحيح عنه كما قال الشافعي...-ثم بين سبب تسمية جزيرة العرب بذلك، و موقع اليمامة..-
    قال (ولو دخل بغير إذن الإمام): أي أو نائبه (أخرجه وعزَّره إن علم أنه ممنوع)؛ لأن الدخول إنما أجير للحاجة، فوقف على رأي الإمام أو نائبه، ويعزر عند العلم بالمنع؛ لجرأته على حرمات الله، فإن جهل ذلك و أمكن صدقه..فلا، لأنه لا يعرف حدود الله العامة.
    فرع: لا يدخلون سائر المساجد إلا بإذن؛ لأنَّ النبي صلى الله عليه وسلم ربط ثمامة بن أثال في المسجد، وأنزل ثقيفاً فيه، وكذا سبي بني قريظة والنضير.
    و جواز الإذن منوط بالحاجة مثل: أن يسلم أو يسمع القرآن أو يستفتي، و لا يدخلون للأكل والشرب، بخلاف المسلم، قال ابن الصباغ وغيره.
    و الآذنُ لَه: الإمام أو نائبه، وكذا آحاد المسلمين على الأصح...
    قال (فإن استأذن: أُذن له إن كان مصلحة للمسلمين، كرسالةٍ و حمل ما يحتاجُ إليه) أي: يحتاج إليه المسلمون من ميرة أو متاعٍ، وفي معناه: عقد الهدنة للمصلحة، واحترز عما إذا لم تكن مصلحة؛ فلا يجوز....
    قال (و لا يقيم إلا ثلاثة أيام) أي فأقل؛ لما روى ابن أبي شيبة عن نافع عن ابن عمر: (لا تتركوا اليهود والنصارى بالمدينة فوق ثلاث، قدر ما يبيعون سلعتهم)، و لأن الثلاث في حكم القلة شرعاً، ولا يُحسب منها يوم الدخول والخروج، كما سبق في صلاة المسافر...
    قال (ويمنع من دخول حرم مكة) لقوله تعالى { إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا}، ويدل على أن المراد به هنا: الحرم قوله تعالى {وإن خفتم عيلةً فسوف يغنيكم الله من فضله} أي إن خفتم انقاطع التجارة والميرة، إذ من المعلوم أن الجلب ليس إلى المسجد نفسه.
    قال (فإن كان رسولاً..خرج إليه الإمام أو نائبه يسمعه)؛ حسماً للباب، هذا إذا امتنع من أدائها إلا إليه، وإلا بعث إليه من يسمع و ينهى إليه، كذا إن دخلَ لتجارة، خرج إليه من يشتري منه، فإن جاء كافر ليناظر..خرج إليه من يناظره.
    فرعٌ: جوَّز ابنُ كجٍّ للطبيب الذَّمي دخول الحرم، ونص الشافعي يعارضه؛ فإنَّه منع دخول الطبيب والصانع في البناء وغيره. قال إبراهيم المرورذي: والمعنى في منع المشركين من الحرم: أنهم أخرجوا النبي صلى الله عليه وسلم منه، فعاقبهم الله بالمنع من دخوله بكل حالٍ.".
     
    11/ قال الحافظ ابن حجر (ت852هـ) في (الفتح) (6 / 171) بعد ذكر الأقوال التي نقلها البغوي وغيره مما تقدم في (جزيرة العرب): "وسميت جزيرة العرب: لإحاطة البحار بها، يعني بحر الهند وبحر القلزم و بحر فارس وبحر الحبشة، وأضيفت إلى العرب لأنها كانت بأيدهم قبل الإسلام وبها أوطانهم ومنازلهم، لكن الذي يمنع المشركون من سكناه منها الحجاز خاصة، وهو مكة والمدينة واليمامة و ما والاها لا فيما سوى ذلك مما يطلق عليه اسم جزيرة العرب؛ لاتفاق الجميع على أن اليمن لا يمنعون منها مع أنها من جملة جزيرة العرب، هذا مذهب الجمهور.
    وعن الحنفية يجوز مطلقاً إلا المسجد.
    وعن مالك يجوز دخولهم الحرم للتجارة.
    وقال الشافعي: لا يدخلون الحرم أصلاً إلا بإذن الإمام لمصلحة المسلمين خاصة".
     
    12/ و نقل الحافظ بدر الدين العيني (ت855هـ) في (عمدة القاري) (كتاب الجهاد والسير/ باب جوائز الوفد) (14 / 299) نحواً من كلام ابن حجر، وزاد نقلاً مهماً وهو قوله:
    :"وهاهنا فرعٌ ذكره في (التوضيح): وهو يمنع كل كافر عندنا وعند مالك من استيطان الحجاز، و لا يمنعون من ركوب بحره، ولو دخل بغير إذن الإمام أخرجه وعزره إن علم إنه ممنوع فإن استأذن في دخوله إذن الإمام أو نائبه فيه، إن كان مصلحة للمسلمين، كرسالة وحمل ما يحتاج إليه.
    و عن أبي حنيفة: جواز سكناهم في الحرم، ويمنع دخول حرم مكة قال تعالى {إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام}، والمراد به هنا: جميع الحرم، وقال صلى الله عليه و سلم (إن الشيطان أيس أن يعبد في جزيرة العرب )، فلو دخله ومات لم يدفن فيه، وإن مات في غير الحرم من الحجاز وتعذر نقله دفن هناك.. قلت- أي العيني- مذهب أبي حنفية أنه لا بأس بأن يدخل أهل الذمة المسجد الحرام؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أنزل وفد ثقيف في مسجده وهم كفار، رواه أبو داود، و الآية محمولة على منعهم أن يدخلوها مستولين عليها و مستعلين على أهل الإسلام، من حيث التدبير والقيام بعمارة المسجد، فإن قبل الفتح كانت الولاية و الاستعلاء لهم، ولم يبق ذلك لهم بعد الفتح، أو هي محمولة على كونهم طائفين الكعبة حال كونهم عراة كانت عادتهم في الجاهلية".
    و تنظر مسألة دخول الكفار الحرم في (المغني) (13 / 245-246) و (البيان) (12 / 294) و (الجامع لأحكام القرآن) (8 / 104-106).
     
     
    هذا ما تيسر التذكير به عن هذه الأحاديث، وبذلك يظهر للمنصف البعد بين فهم أهل العلم لهذه الأحاديث، وبين فهم الخوارج لها!! ومن ذلك:
     
    أنَّ لفظ جزيرة العرب الوارد في الأحاديث هو من العام المخصوص، كما تقدَّم.
     
    وأنَّ الإذن لهم بالدخول للحجاز هو من حق الإمام أو نائبه، وذهب بعض أهل العلم إلى أنَّ ذلك أيضاً لآحاد الناس من المسلمين.
     
    وأيضاً لم يذكر أحدٌ من أهل العلم أنَّ إخراجهم هو قتلهم أو أسرهم! أبداً، وإنما عدم تمكينهم من استيطان الحجاز! ولهم الاستيطان في غيرها! و أنَّ البحر لا يأخذ حكم البرِّ!
     
    وغير ذلك من المفارقات الواضحة -لمن تأمل ما نقلته- بين فهوم أهل النظر والأثر، وبين فهوم أهل الجهل والهوى!!
     
    قال الإمام ابن القيم رحمه الله في (نونيته) (2 / 278- مع شرحها توضيح المقاصد):
     
    تباً لكم لو تعقلون لكنتمُ .... خلف الخدور كأضعف النسوان
    من أين أنتم والحديث وأهله .... والوحي والمعقول بالبرهان
    ما عندكم إلا الدعاوى والشكا .... وى أو شهادات على البهتان
    هذا الذي والله نلنا منكمُ .... في الحرب إذ يتقابل الصفان
    والله ما جئتم بقال الله أو .... قال الرسول ونحن في الميدان
    إلا بجعجعة وفرقعة وغمغمة .... وقعقعة بكل شنان
    ويحق ذاك لكم وأنتم أهله .... أنتم بحاصلكم أولو عرفان
    و بحقكم تحموا مناصبكم وأن .... تحموا مآكلكم بكل سنان
    وبحقنا نحمى الهدى ونذب عن .... سنن الرسول ومقتضى القرآن"
     
     
    وقال أيضاً (2 / 383):
     
    والجهلُ داءٌ قاتلٌ وشفاؤه .... أمران في التركيب متفقان
    نصٌّ من القرآن أو من سنَّةٍ ... وطبيب ذاك العالم الرَّباني إلى أن قال:
    والله ما قال امرؤ متحذلقٌ ... بسواهما إلا من الهذيان".
     
    وفي هذا القدر كفاية لمن كان له قلبٌ أو ألقى السَّمعَ وَ هُو شَهِيْدٌ، وصلَّى الله علَى نَبِيِّنَا مُحمَّدٍ وآله وصحبه وسلَّم.
     
     
    وكتبه
    عبد الله بن عبد الرَّحيم البخاري -كان الله له-
    المدينة النَّبوية /  قباء
    في 5 / 6 / 1426هـ
     
     
     
     
    المصدر:
    موقع الشيخ عبدالله البخاري


    الكاتب : نسخة للطباعة تقييم ارسال لصديق

    اخر المقالات
    مقالات مختارة
    الاستفتاءات

    ما رأيك في الموقع ؟
    ممتاز
    جيد
    مقبول



    النتائج
    الأكثر تقييما
    الاكثر مشاهدة

  • تفسير قوله تعالى: ( إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا... ) الآية
  • المفهوم الصحيح لحب الوطن في الإسلام
  • " وسكت عن أشياء رحمة لكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها "
  • كتاب المجموعة المباركة في الصلوات المأثورة والأعمال المبرورة
  • ( ربَّ كاسية عاريـة ) - الشيخ محمد عبد الوهاب العقيل
  • الخشوع في الصلاة ليس هو البكاء
  • رد الشيخ محمد بن هادي المدخلي - حفظه الله - على مقال علي الحلبي: (( لا دفاعًا عن محمد حسَّان ))
  • حكم شاتم الرسول صلى الله عليه وسلم - الشيخ محمد سعيد رسلان
  • لقد دخلت التاريخ يا دكتور خالد المصلح من أوسـ ..
  • إنهم طاعون القلوب - الشيخ محمد سعيد رسلان
  • النهي عن قص الرؤيا على غير عالم أو ناصح
  • البيان الرفيع في خطر تعري النساء في الحفلات ولبسهن الخليع
  • اعتقاد الوليمة للعقيقة للمولود في يوم سابعه بدعة منكرة
  • لغتي العربية
  • بلع الريق والنخامة في نهار رمضان - العلامة زيد المدخلي
  • حكم مشاركة المرأة في الانتخابات
  • شرح كتاب الحج والعمرة من كتاب التسهيل في الفقه - العلامة عبدالله بن عقيل
  • قراءة الفنجان وقـراءة الكف والأبراج
  • معنى حديث : " المترجلة من النساء " - العلامة صالح بن فوزان الفوزان
  • إطلاق لقب ( أمير المؤمنين ) على الرؤساء
  • جميع الحقوق محفوظة لـ : مقالات نور اليقين © 2017
    برمجة اللوماني للخدمات البرمجية © 2008